معاهدة تسليم المجرمين بين دمشق وموسكو: الثغرات القانونية والتعقيدات السياسية في ملف الأسد.

خالد فيصل الطويل

تشكل معاهدة تسليم المجرمين الموقعة بين روسيا وسوريا في سان بطرسبورغ بتاريخ 29 حزيران/يونيو 2022، والتي دخلت حيز التنفيذ في 5 حزيران/يونيو 2023، الإطار المرجعي الأول لأي تحرك قضائي دولي يستهدف ملاحقة الفارين بين البلدين.

غير أن إمكانية الاستناد إليها لطلب تسليم رئيس النظام السابق بشار الأسد تتجاوز مجرد النصوص الإجرائية لتصطدم بجدل قانوني وسياسي معقد.

من الناحية المبدئية، تتيح المعاهدة للدولة السورية تقديم طلب رسمي لتسليم أي شخص متواجد على الأراضي الروسية، حتى لو كانت الجرائم المنسوبة إليه قد وُقّعت قبل تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، استناداً إلى صريح المادة الثانية. لكن هذا الحق القانوني لا يعني بالضرورة وجود التزام تلقائي على الجانب الروسي بالتنفيذ.

آليات الملاحقة وإجراءات التوقيف المؤقت:

تمنح المادة الثامنة من المعاهدة الجانب السوري أدوات إجرائية مهمة، في مقدمتها إمكانية تقديم طلب “توقيف مؤقت” للمطلوب قبل إرسال ملف التسليم المكتمل، سواء عبر التواصل المباشر بين وزارة العدل السورية والنيابة العامة الروسية (بصفتهما الجهتين المركزيتين المعتمدتين في المادة الثالثة)، أو عبر قنوات منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول).

وفي حال قبول طلب التوقيف المؤقت، تمنح الاتفاقية السلطات السورية مهلة 60 يوماً لإعداد وتوفير الملف القضائي الكامل والمستندات الداعمة؛ وإلا يُطلق سراح المحتجز، دون أن يمنع ذلك من إعادة توقيفه لاحقاً إذا قُدّم طلب مستوفٍ للشروط الشكلية والموضوعية.

معركة التكييف القانوني: الجريمة الجنائية مقابل الملاحقة السياسية

تكمن العقبة الرئيسية أمام أي طلب تسليم في أسباب الرفض المدرجة في المادة الخامسة من المعاهدة، والتي تقسم الأسباب إلى إلزامية واختيارية.

تمنع المعاهدة التسليم إذا تبين أن طلب الملاحقة يستند إلى أسباب تتعلق بالعرق، أو الدين، أو الجنسية، أو المعتقدات السياسية. وهنا تبرز مساحة المناورة القانونية بين الطرفين:

* دفع المتهم والدولة المستضيفة: يمكن للأسد والدفاع الروسي الدفع بأن الملاحقة ذات طابع سياسي محض ناتجة عن صراع على السلطة، مما يوجب رفض الطلب بموجب أحكام المعاهدة.

* موقف الجهة الطالبة (دمشق): تعتمد قوة الطلب السوري على مدى تفكيك هذا الدفع، عبر إبعاد القضية عن “الموقف السياسي” وتأطيرها ضمن جرائم القانون العام والجرائم ضد الإنسانية. يتطلب ذلك تقديم ملفات جنائية موثقة تتضمن أوامر مباشرة بالقتل، والتعذيب، والإخفاء القسري، وقصف الأحياء المدنية، معززة بأدلة وقائع، وأسماء ضحايا، وتواريخ محددة.

فالمعاهدة لا تمنح حصانة للجرائم الجنائية لمجرد أن مرتكبها كان يشغل موقعاً سياسياً، كما أنها لا تنص على أي استثناءات أو حصانات خاصة بالرؤساء السابقين.

المحددات القانونية والواقع السياسي

إلى جانب التكييف القانوني للجرم، تتيح الاتفاقية لروسيا منافذ إضافية لرفض التسليم، من بينها:

* الجنسية: إذا منحت روسيا الجنسية للمطلوب، حيث يحظر القانون الروسي والمعاهدة تسليم المواطنين الحاملين لجنسية الدولة المطلوب منها.

* التحقيقات المحلية: وجود تحقيقات أو إجراءات قضائية جارية داخل روسيا بشأن الأفعال ذاتها.

* الدواعي الإنسانية: الامتناع عن التسليم لأسباب شخصية تتعلق بالسن أو الحالة الصحية.

خلاصة:

إن سريان المعاهدة على الدولة السورية بصفاتها لا بأسماء أشخاصها يمنح دمشق الحق القانوني الكامل في استخدام هذا الإطار لطلب التسليم، غير أن النص الاتفاقي لا يشكل أداة إلزام مطلق لموسكو. فالمعاهدة توفر الآلية الإجرائية للنظر في الطلب، بينما يبقى القرار النهائي محكوماً بالصياغة الفنية للملف القضائي السوري من جهة، والحسابات السياسية والقانونية الداخليين لروسيا من جهة أخرى.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى